حكم الجد مع الأخوة
لم يرد في حكم الجد الصحيح مع الإخوة الأشقاء أو لأب, آية قرآنية, ولا حديث شريف, ولذلك كان كثير من الصحابة يتوقفون في أمره, ويتخوفون من البّتِ في حكم توريثه, حتى قال ابن مسعود – رضي الله عنه – : ( سلونا عن عُضَلِكُم – أي مشاكلكم العويصة – واتركونا من الجدّ, لا حيَّاه الله ولا بيَّاه ).
وقال عمر – رضي الله عنه – : ( أجرؤكم على القسمة, أجرؤكم على النار ).
وقال علي – رضي اللع عنه – : ( من سرَّه أن يقتحم جهنَّم, فايقضي بين الجد والإخوة ).
ولعل الخوف من الحكم في مسألة الجد, إنما يرجع لعدم وجود نص من القرآن أو السنة, حول كيقية توريثه مع الإخوة والأخوات, فالأمر يحتاج إلى اجتهاد ربما كان خاطئاً ويترتب عليه حرمان من يستحق, أو توريث من لا يستحق, لذلك كان بعض الصحابة يتخوف من من الآمر.
لكن هذا التخوف قد تبدَّد وتلاشى, بعد أن ظهرت أراء السلف الصالح, ومذاهب الأئمة المجتهدين, والتي سوف نعرضها هنا كالتالي :
مذاهب الأئمة في الجد :
اختلف الأئمة المجتهدون في حكم ميراث ( الجد مع الأخوة ), تعباً لإختلاف الصحابة أنفسهم, وانقسموا إلى قسمين :
الفريق الأول :
يرى أن الإخوة مطلقاً ( الأشقاء, أو لأب, أو لأم ) ذكوراً كانوا أو إناثاً, يُحجبون من الإرث بوجد الجد, فلا يرثون معه أصلاً, وذلك مبني على اعتيار الجد يقوم مقام الأب عند فقده, في جميع أحواله, لأنه أب أعلى, كما هو مبني على قاعدة ترجيح العصبات : ( إذا تعددت العصبات, فيقدم جهة البنوة, ثم الأبوة, ثم الأخوة، ثم العمومة ), ولا ينتقل الإرث إلى الجهة الآخرى حتى تنعدم الجهة التي سبقتها, فمثلاً إذا وجد ( ابن واب ) فالعصبة تكون للابن, وإذا وجد ( أخ , وعم ) فالعاصب هو الأخ … وهكذا ترتيباً.
ولما كانت جهة الأبوة – وهي تشمل الجد وإن علا – مقدمة على جهة الأخوة, فإن الجد يجحب الإخوة مطلقاً, تماماً كما هو الحال فيما إذا وجد الأخوة مع الأب.
وهذا هو مذهب ( ابي حنيفة ) رحمه الله, وهو قول فريق من الصحابة, منهم ( ابو بكر الصديق ) و ( ابن عمر ) وغيرهم من الصحابة والتابعين, رضوان الله عليهم اجمعين.
الفريق الثاني :
ويرى أن الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب, يرثون مع الجد ولا يحجبهم, كما هو الحال مع الأب, وحجتهم في ذلك أن الجد والأخوة في درجة واحدة, من حيث الإدلاء إلى الميت, فالجد يدلي بواسطة الأب, والأخوة الأشقاء أو لأب يدلون بواسطة نفس الأب, الجد أصل الأب, والأخوة فرع الأب, وقد استوت الدرجة بالنسبة للفريقين, فلا معنى لأن نورّث احد الجهتين دون الأخرى, لأنه يكون تقديماً بدون مبرر, كما إذا أعطينا بعض الإخوة الأشقاء وحرمنا بعضهم, مع أنهم جميعاً إخوة الميت, ويدلون بدرجة قرابة واحدة.
ويقولون أيضاً : إن حاجة الإخوة للمال أظهر من حاجة الجد إليه, فإذا ورث الجد, ومات انتقل الميراث إلى أولاده وهم أعمام الأخوة وعماتهم, وعليه يصبح الأعمام وارثين, والأخوة والأخوات لا ينالهم من أخيهم شيء, إلا البكاء والتفجع.
وهذا مذهب الأئمة الثلاثة ( الشافعي, والحنبلي, والمالكي ), وهو أيضاً مذهب الصاحبين ( أبي يوسف, ومحمد ) تلميذي أبي حنيفة, وهو قول جمهور الصحابة والتابعين, وعلى رأسهم الإمام الجليل ( زيد بن ثابت ) الذي شهد له الرسول الكريم – صل الله عليه وسلم – بالتفوق على الصحابة في علم الفرائض, وهو مذهب علي, و ابن مسعود, والشعبي, وأهل المدينة.