هل يُورث حق الحضانة وحق الشفعة؟ دراسة فقهية ونظامية سعودية

تثور في مسائل التركات والحقوق المرتبطة بالمتوفى مسألة مهمة، وهي: هل كل حق كان ثابتًا للإنسان في حياته ينتقل بعد وفاته إلى ورثته؟

والجواب: لا.

فالحقوق ليست على درجة واحدة؛ فمنها حقوق مالية تقبل الانتقال إلى الورثة، ومنها حقوق شخصية تنتهي بوفاة صاحبها، ومنها حقوق وقع الخلاف بين الفقهاء في توريثها.

ومن أبرز الأمثلة التي يظهر فيها هذا التفريق: حق الحضانة وحق الشفعة.

وسنتناول حكم كل منهما من الناحية الفقهية، ثم نبين موقف النظام السعودي.


أولًا: حق الحضانة

ما المقصود بالحضانة؟

عرّف نظام الأحوال الشخصية السعودي الحضانة بأنها:

حفظ من لا يستقل بنفسه عما يضره، وتربيته والقيام على مصالحه، بما في ذلك التعليم والعلاج.

ويظهر من هذا التعريف أن الحضانة مرتبطة بشخص الحاضن، وبقدرته على رعاية المحضون، وبمصلحة المحضون نفسه.


هل حق الحضانة يُورث؟

الأصل أن حق الحضانة لا يُورث باعتباره حقًا ماليًا ينتقل إلى ورثة الحاضن.

فإذا كانت الأم مثلًا حاضنة لطفل ثم توفيت، فلا تصبح الحضانة جزءًا من تركتها، ولا يكتسب ورثتها حق الحضانة لمجرد كونهم ورثتها.

وإنما يُنظر بعد وفاتها إلى من يستحق الحضانة وفق ترتيب مستحقيها وشروط الحضانة ومصلحة المحضون.

وهنا تظهر دقة مهمة:

انتقال الحضانة إلى شخص آخر بعد وفاة الحاضن ليس ميراثًا لحق الحضانة.

بل هو استحقاق جديد مصدره أحكام الحضانة.


موقف المذاهب الفقهية من الحضانة

لا تُعامل الحضانة في الفقه معاملة الأموال الموروثة.

والخلاف بين الفقهاء في هذا الباب يدور بدرجة أكبر حول:

  • من الأحق بالحضانة؟
  • ترتيب مستحقي الحضانة.
  • شروط الحاضن.
  • متى يسقط حق الحاضن؟
  • وهل يعود الحق بعد زوال سبب سقوطه؟

فمثلًا اتفق الفقهاء على تقديم الأم في أصل استحقاقها للحضانة، ثم اختلفوا في ترتيب بعض الأقارب بعدها.

وعليه فإن الأدق أن يقال:

حق الحضانة نفسه لا ينتقل إلى الورثة بطريق الميراث، وإنما ينتقل استحقاق الحضانة إلى من يستحقها وفق أحكام الحضانة.


حق الحضانة في النظام السعودي

نظّم نظام الأحوال الشخصية السعودي الحضانة في المواد من (124) وما بعدها.

وتنص المادة (127) على أن الحضانة:

من واجبات الوالدين معًا ما دامت الزوجية قائمة بينهما، فإن افترقا فتكون الحضانة للأم، ثم الأب، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم تقرر المحكمة ما ترى فيه مصلحة المحضون.

كما أجاز النظام للمحكمة مخالفة هذا الترتيب إذا اقتضت مصلحة المحضون ذلك.

كما نص النظام على شروط يجب توافرها في الحاضن، ومنها:

  • كمال الأهلية.
  • القدرة على تربية المحضون وحفظه ورعايته.
  • السلامة من الأمراض المعدية الخطيرة.

وهذه الأحكام تؤكد أن الحضانة مرتبطة بأهلية الحاضن ومصلحة المحضون، وليست مالًا ينتقل بالإرث.

النتيجة في الحضانة

فقهيًا: لا تُورث الحضانة على أنها حق مالي في التركة.

نظامًا سعوديًا: لا تنتقل الحضانة إلى ورثة الحاضن بصفتهم ورثته، وإنما تنتقل إلى مستحقها وفق نظام الأحوال الشخصية ومصلحة المحضون.


ثانيًا: حق الشفعة

ما المقصود بالشفعة؟

عرّف نظام المعاملات المدنية السعودي الشفعة بأنها:

حق الشريك في أن يتملك العقار المبيع بالثمن الذي بيع به وبنفقاته.

فالشفعة حق مرتبط بملكية العقار والشراكة فيه، وهدفها تمكين الشريك من أخذ الحصة المبيعة وفق الشروط النظامية.

وقد نص النظام على أن:

الشفعة تثبت بتمام البيع مع قيام السبب الموجب لها.


هل حق الشفعة يُورث فقهيًا؟

هذه المسألة تختلف عن الحضانة اختلافًا جوهريًا.

فقد وقع خلاف بين الفقهاء في انتقال حق الشفعة إلى الورثة.

المالكية والشافعية

يرون في الجملة أن حق الشفعة يمكن أن ينتقل إلى الورثة؛ لأنهم ينظرون إليه باعتباره حقًا متعلقًا بالمال.

الحنفية

المشهور عندهم أن حق الشفعة لا ينتقل إلى الورثة إذا مات الشفيع قبل تمام الأخذ بها، مع وجود تفاصيل تتعلق بما إذا ثبتت بحكم القضاء أو تم التسليم.

الحنابلة

لديهم تفصيل في المسألة، ومن صور ذلك التفريق بين وفاة الشفيع بعد المطالبة بالشفعة وقبلها.

إذن:

توريث حق الشفعة من المسائل التي وقع فيها خلاف فقهي، بخلاف الأموال المملوكة للميت التي تدخل في التركة من حيث الأصل.


موقف النظام السعودي من وفاة الشفيع

نظام المعاملات المدنية السعودي جاء بنص مهم جدًا في هذه المسألة.

فالمادة (661) تنص على أن:

الشفعة تثبت بتمام البيع مع قيام السبب الموجب لها.

ثم نصت المادة (663) على أنه:

إذا ثبتت الشفعة وفقًا للمادة (661) من النظام؛ فلا تسقط بموت البائع أو المشتري أو الشفيع.

وهذا يعني أن وفاة الشفيع لا تؤدي إلى انقضاء حق الشفعة الثابت.

لكن من المهم التفريق بين عبارتين:

ليس النص النظامي:

«حق الشفعة يورث»

وإنما النص النظامي الأدق:

«حق الشفعة لا يسقط بموت الشفيع إذا كان قد ثبت.»

وهذا فرق مهم في الصياغة القانونية.


هل ينتقل حق الشفعة إلى الورثة في السعودية؟

إذا ثبتت الشفعة وفق أحكام النظام ثم توفي الشفيع، فإن وفاة الشفيع لا تسقط هذا الحق.

وبالتالي يبقى الحق قائمًا بعد وفاته، مع مراعاة المدد والإجراءات والشروط النظامية المتعلقة بممارسة الشفعة.

ولذلك يمكن القول من حيث الأثر:

حق الشفعة الثابت لا ينقضي بوفاة صاحبه، ويستمر بعد وفاته، بخلاف حق الحضانة الذي لا ينتقل إلى الورثة باعتباره جزءًا من التركة.

والأفضل عند الكتابة القانونية الدقيقة عدم نسبة عبارة «الشفعة تورث» إلى المادة (663) باعتبارها نصًا حرفيًا؛ لأن المادة استخدمت عبارة عدم سقوط الشفعة بالموت.


مقارنة بين حق الحضانة وحق الشفعة

وجه المقارنة حق الحضانة حق الشفعة
طبيعة الحق حق شخصي مرتبط بالحاضن والمحضون حق مالي متعلق بالعقار
هل يدخل في التركة؟ لا يدخل باعتباره حقًا موروثًا يمكن أن يبقى قائمًا بعد الوفاة إذا ثبت
موقف الفقهاء لا ينتقل بالميراث، وإنما تنتقل الحضانة لمستحق آخر مختلف في توريثه بين المذاهب
عند وفاة صاحب الحق ينظر إلى مستحق الحضانة التالي لا يسقط الحق الثابت بمجرد موت الشفيع
موقف النظام السعودي الحضانة لمستحقها وفق الترتيب ومصلحة المحضون المادة 663: لا تسقط الشفعة بموت الشفيع

الفرق الجوهري بين المسألتين

يمكن تلخيص الفرق بعبارة بسيطة:

الحضانة

إذا مات الحاضن:

لا يرث ورثته الحضانة منه.

وإنما ينشأ الحق لمن يأتي بعده وفق ترتيب مستحقي الحضانة ومصلحة المحضون.

الشفعة

إذا ثبتت الشفعة ثم مات الشفيع:

لا ينقضي حق الشفعة بسبب الوفاة.

ويظل الحق قائمًا بعد وفاة صاحبه وفق أحكام نظام المعاملات المدنية.


أمثلة توضيحية

المثال الأول: وفاة الأم الحاضنة

امرأة مطلقة كانت حاضنة لطفلها ثم توفيت.

لا نقول إن إخوتها أو أبناءها ورثوا منها «حق الحضانة».

وإنما يرجع إلى ترتيب مستحقي الحضانة في النظام، مع مراعاة مصلحة الطفل.


المثال الثاني: وفاة الشفيع

رجل يملك نصف عقار على الشيوع، وباع شريكه النصف الآخر لشخص أجنبي، وثبت للرجل حق الشفعة وفق النظام، ثم توفي.

الأصل وفق المادة (663) أن حق الشفعة لا يسقط بسبب وفاته.


الخلاصة

يمكن تلخيص الحكم في القاعدتين الآتيتين:

حق الحضانة حق شخصي لا يُورث، وإنما تنتقل الحضانة إلى مستحقها التالي وفق الأحكام المنظمة لها ومصلحة المحضون.

أما:

حق الشفعة فقد اختلف الفقهاء في توريثه، بينما قرر نظام المعاملات المدنية السعودي صراحة أن الشفعة إذا ثبتت فلا تسقط بموت الشفيع.

ومن هنا يتضح أن مجرد كون الإنسان صاحب «حق» في حياته لا يعني بالضرورة أن هذا الحق ينتقل إلى ورثته؛ بل يجب النظر إلى طبيعة الحق: هل هو مالي قابل للانتقال، أم شخصي مرتبط بصاحبه، وهل يوجد نص خاص يحكم بقاءه أو انقضاءه بعد الوفاة؟


المراجع

  1. نظام الأحوال الشخصية السعودي، المواد (124–135)، وبخاصة المادة (127) المتعلقة بترتيب مستحقي الحضانة.
  2. نظام المعاملات المدنية السعودي، المواد (658–668) المتعلقة بالشفعة، وبخاصة المادتان (661) و(663).
  3. الموسوعات الفقهية المعتمدة في بيان أحكام الحضانة والشفعة واختلاف المذاهب فيها.

تنبيه: المقال للتثقيف الفقهي والنظامي العام، ولا يغني عن الرجوع إلى النصوص النظامية المحدثة أو الاستشارة المتخصصة عند وجود نزاع قضائي محدد.