توضيح وبيان


   هذه الآيات الكريمات, من كتاب الله عزّ وجل, وضّحَ الباري تبارك وتعالى فيها نصيب كل وارث, ممن يستحق الإرث, وأرشد إلى مقدار إرثه وشروطه, كما بين – جلّت حكمته – الحالات التي يرث فيها الإنسان, والحالات التي لا يرث فيها, ومتى يرث بالفرض, أو بالتعصيب, أو بهما معاً, ومتى يُحْجَبُ من الإرث كلياً أو جزئياً.
   إنها آيات جَمَعت – على وجازتها – أصول علم الفرائض, وأركان أحكام الميراث, فمن أحاط بهما فهماً, وحفظاً, وإدراكاً, فقد سَهُل عليه معرفة نصيب كل وارث, وأدرك حكمة الله الجليلة, في قسمة الميراث على هذا الوجه الدقيق العادل, الذي لم يَنْس فيه حق أحد, ولم يُغْفِل من حسابه شأن الصغير والكبير, والرجل والمرأة, بلى أعطى كل ذي حق حقه, على أكمل وجوه التشريع, وأروع صور المساواة, وأدق أصول العدل, ووزّع التركة بين المستحقين توزيعاً عادلاً حكيماً, بشكل لم يدع فيه مقالة لمظلوم, أو شكوى لضعيف, أو رأياً لتشريع من التشاريع الأرضية, يهدف إلى تحقيق العدالة, أو رفع الظلم عن بني الإنسان.

قال العلامة القرطبي في تفسيره:

   “هذه الآيات ركن من أركان الدين, وعُمْدةٌ من عُمد الأحكام, وأُم من أُمهات الآيات, فإن الفرائض عظيمة القدر, حتى إنها نصف العلم, وقد قال – صل الله عليه وسلم – : ” تعلموا القرآن وعلموه الناس, وتعلموا الفرائض, وعلموها الناس, فإني امرو مقبوض, وإن هذا العلم سيقبض وتظهر الفتن, حتى يختلف الإثنان في الفريضة, فلا يجدان من يفصل بينهما”.
   وكل ما كتبه العلماء في القديم والحديث, وكل ما ألّفوه في علم المواريث فإنما هو بيان وتوضيح لهذه الآيات الكريمة, التي جمعت فأوعت, وقسّمت فعدلت, وأحكمت التشريع, وفصّلت التوزيع, وأبانت لكل ذي حق حقه, دون محاباة أو مداراة.